مبانٍ آيلة للسقوط في غزة.. موت مؤجل لنازحيها

مبانٍ آيلة للسقوط في غزة.. موت مؤجل لنازحيها
تقارير وحوارات

غزة/ سماح المبحوح

لم يكن اللجوء للسكن داخل المباني الآيلة للسقوط خيارًا سهلًا أمام عشرات العائلات النازحة في قطاع غزة، فالكثير منها لجأ إليها رغم تضررها الشديد جراء قصف إسرائيلي سابق، في ظل عدم توفر أماكن إيواء بديلة.

ولأشهر طويلة، تحولت تلك المباني المتصدعة إلى ملاذ لعائلات نازحة احتمت بجدرانها هربًا من حياة الخيام والعراء، بعدما عجزت عن تحمل تكاليف استئجار مساكن، فوجدت في تلك المباني سقفًا بديلًا يقيها قسوة النزوح والحرب، رغم المخاطر التي تحيط بها.

وأمس الأربعاء، انهارت عمارة "السعادة" في مدينة غزة، لتكشف جانبًا من هذا الخطر، مخلفة شهداء وجرحى ومفقودين، فيما واجهت فرق الإنقاذ صعوبات كبيرة في الوصول إلى العالقين تحت الركام، بسبب محدودية المعدات والآليات الثقيلة.

ولم يكن انهيار عمارة "السعادة" الحادث الأول من نوعه، إذ سبقته حوادث انهيار لعدد من المباني السكنية المتضررة، خاصة خلال الأحوال الجوية القاسية في فصل الشتاء، وهو الضيف الثقيل الذي يقترب مجددًا، ويثير مخاوف آلاف النازحين الذين يقيمون في مبانٍ لا يختلف حالها كثيرًا عن العمارة المنكوبة.

وسُجل استشهاد 21 مواطنًا من سكان العمارة حتى إعداد التقرير، بينهم 8 أطفال و6 نساء، وإصابة 45 آخرين، فيما لا يزال نحو مائة من الأشخاص في عداد المفقودين، وسط توقعات بارتفاع حصيلة الضحايا مع استمرار عمليات الانتشال، بحسب جهاز الدفاع المدني.

وكشفت تقديرات الدفاع المدني عن وجود نحو ألفي مبنى مأهول في مناطق مختلفة من قطاع غزة، مهددة بالانهيار، وقد أُبلغ سكان عدد منها بخطورتها وطُلب منهم إخلاؤها، لكن غياب البدائل يضع كثيرًا من العائلات أمام خيارات شديدة القسوة.

الخيار الأشد صعوبة

وفي منطقة الفالوجا شمال قطاع غزة، يعيش أبو خالد المبحوح مع أفراد عائلته الثمانية في بقايا منزله، بعدما انهار عدد من أعمدته وسقط نصف سقفه وتصدعت جدرانه، رغم تحذيرات الجهات المختصة له من خطورة البقاء فيه.

المبحوح، الذي عاد بعد شهور طويلة من رحلة نزوح قاسية إلى جنوب القطاع، لجأ إلى منزله المتهالك ليجمع شتات عائلته التي تفرقت خلال فترة النزوح في أماكن عدة.

 

ويقول لـ"الاستقلال": "منزلي المتهالك والمتصدعة جدرانه، والآيل ما تبقى منه للسقوط، وجدته الخيار الأمثل رغم أنه الأشد صعوبة، لأعيش أنا وعائلتي في مكان واحد".

ويضيف: "العيش في الخيام كمأوى بديل عن منزلي أمر لا أنا ولا عائلتي نحتمله، فهي لا تقينا حر الصيف ولا برد الشتاء وغرقه، أما استئجار مسكن فهو خيار لا نقوى عليه، فالمال المتوفر لدينا قليل، والمبالغ المطلوبة كبيرة".

ويتابع: "رغم التحذيرات من خطورة المكوث في المنزل، وبعد انهيار عمارة السعادة والتوقعات بانهيار مبانٍ أخرى على ساكنيها، ازدادت مخاوفي على أفراد عائلتي، لكن ما باليد حيلة".

الخيمة أهون

وبجوار منزل المبحوح، تقيم أم محمد صالح في منزل لا يبدو حاله أفضل كثيرًا، حيث بدت آثار التصدع والانهيار واضحة على جدرانه، فيما بقيت تراقب أبناءها وهم يحاولون تغطية أجزاء من الجدران بالنايلون "الشوادر"، في محاولة لجعله قابلًا للسكن.

كان الخوف ظاهرًا على السيدة التي قالت إنها قررت مغادرة المنزل بعد ما شاهدته من مشاهد انهيار عمارة "السعادة"، وإنها باتت تفضّل العيش في خيمة على البقاء تحت سقف قد ينهار فوقها وفوق أبنائها في أي وقت.

وكانت قد لجأت إلى منزلها شبه المدمر مضطرة، بعدما لم تجد مسكنًا آخر تستطيع تحمل كلفته، في ظل شح شديد في المساكن وارتفاع الإيجارات، إلى جانب صعوبة العيش في الخيام تحت حرارة الصيف الحارقة، وفق قولها.

وتوضح أن قرارها تبدل بعد الحادثة، وباتت تفكر جديًا في الانتقال رفقة أبنائها إلى خيمة، مستدركة: "السكن في خيمة أهون من أن يقع السقف علينا".

تحذيرات من انهيار المزيد

وحذّر جهاز الدفاع المدني في غزة من انهيار نحو ألفي بناية سكنية متضررة ومأهولة بالمواطنين في القطاع، على غرار فاجعة عمارة "السعادة"، في ظل عدم وجود بدائل إيواء حقيقية أمام سكانها.

وأوضح الدفاع المدني، خلال مؤتمر صحفي عقده أمس الأربعاء من أمام البناية المنكوبة في منطقة الصناعة بمدينة غزة، أن عددًا من الأشخاص لا يزالون مجهولي المصير تحت الأنقاض، في وقت تواصل فيه طواقمه عمليات البحث والانتشال بإمكانات محدودة.

وأكد الجهاز أن طواقمه تمكنت، بالتعاون مع عدد من الجهات المحلية والدولية، من انتشال شهداء ومصابين من تحت أنقاض العمارة، بينهم أطفال ونساء.

وطالب المجتمع الدولي والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار ومجلس السلام، والمسؤول المباشر فيه نيكولاي ملادينوف، بالتدخل الفوري والعاجل، والضغط على الاحتلال لإدخال المعدات الثقيلة والحفارات والجرافات اللازمة لعمليات الانتشال والتدخل الإنساني.

وندد الدفاع المدني باستمرار منع إدخال المعدات اللازمة، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء، الذي تتزايد خلاله مخاطر انهيار المباني المتضررة بفعل الأمطار والرياح فوق رؤوس ساكنيها.

وبين التحذيرات المتكررة وغياب البدائل، تبقى آلاف العائلات في قطاع غزة عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما خيمة لا تحميها من حر الصيف وبرد الشتاء، أو مبنى متصدع قد يتحول في أي لحظة إلى ركام فوق رؤوس ساكنيه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق